محمد صبحي … عندما يكون الفن تربية ، تصبح القدوةُ وطنًا ..



محمد صبحي … 
عندما يكون الفن تربية  ، تصبح القدوةُ وطنًا ..

بقلم/ امل محمود
أكتب هذا المقال لا دفاعًا عن شخص ، ولا انحيازًا لمعركة إعلامية عابرة ، بل وفاءً لقيمة ، واعترافًا بفضل رجل كان — ولا يزال — جزءًا من تكوين أجيال كاملة ، أنا واحدة منهم .
أكتب بصفتي واحدة من أبناء “بابا ونيس”، لا بمعناه الدرامي ، بل بمعناه الإنساني والتربوي العميق .
 لم يكن صبحي فنانًا عابرًا مرّ على الشاشات وترك ضحكة وانصرف ، بل كان مشروع وعي .
في زمن كانت فيه الدراما قادرة على أن تختار الطريق الأسهل ، اختار هو الطريق الأصعب : أن يعلّم ، وأن يزرع القيم ، وأن يقدّم الوطنية بلا شعارات جوفاء ، والأخلاق بلا وعظ فجّ .
تربينا على أعماله ونحن نتعلم معنى الانتماء ، واحترام العقل ، وقيمة الأسرة ، وكرامة الإنسان .
تعلمنا أن الوطنية ليست صراخًا ، بل التزام .
وأن الفن ليس استعراضًا ، بل مسؤولية .
وأن الكلمة قد تبني وطنًا كما قد تهدمه .
قد نختلف أو نتفق مع بعض آرائه ، فذلك حق مشروع في أي حوار صحي ، لكن ما لا يجوز — أخلاقيًا ولا إنسانيًا — هو القفز فوق التاريخ ، أو اختزال المسيرة ، أو التعامل مع الرموز وكأنها وليدة اللحظة .
الرموز لا تُقاس بلقطة ، ولا تُمحى بسجال ، ولا يُلغى أثرها بخلاف .
محمد صبحي واحد من القلائل الذين لم يبدلوا جلدهم مع تغير الأزمنة ، ولم يساوموا على رسالتهم ، ولم يتخلوا عن فكرة أن الفن رسالة قبل أن يكون صناعة .
هو فنان علّمنا أن نسأل ، لا أن نصفق فقط ، وأن نفكر ، لا أن نستهلك .
من حقي — ومن حق كثيرين مثلي — أن نقول شكرًا .
شكرًا لأنك كنت جزءًا من تربيتنا الوجدانية .
شكرًا لأنك غرست فينا قيمة الوطن دون مزايدة .
شكرًا لأنك احترمت عقولنا ونحن صغار ، فكبرنا ونحن نعرف الفرق بين الفن والضجيج .
هذا المقال ليس بيانًا ، ولا ردًا ، ولا اصطفافًا …
هو فقط شهادة حق ، يكتبها أحد أبناء “بابا ونيس” ،
الذين ما زالوا يؤمنون أن الفن حين يكون صادقًا ، يصبح تربية …
وحين يكون صاحب رسالة ، يتحول إلى وطن .
في النهاية ، لا يُقاس الفن الحقيقي بعدد المعارك التي يخوضها ، بل بعدد القيم التي يتركها في وعي الناس . ولا تُمحى التجارب الكبرى بضجيج اللحظة ، لأنها ببساطة أعمق من أن تُختصر .
محمد صبحي لم يقدّم أدوارًا ، بل قدّم تربية ، ولم يصنع شهرة ، بل أسهم في صناعة وعي .
 ومن حق جيلٍ كامل أن يسجّل شهادته أمام التاريخ ، لا دفاعًا عن شخص ، بل اعترافًا بفضل تجربة .
ولهذا، ونحن نكتب اليوم ، نعيد المعنى لا المشهد ، ونستدعي الجوهر لا الجدل ، ونقولها كما قيلت يومًا ، لا بوصفها جملة درامية ، بل بصفتها عهدًا أخلاقيًا:
 " بابا ونيس… ماما مايسة… احنا ولادكوا هانرفع راسكوا " .
تلك هي الحكاية التي لا تنتهي ،
وتلك هي القيمة التي لا يسقطها خلاف ، ولا يمحوها زمن ..

إرسال تعليق

0 تعليقات